خربشات آخر الليل

(1)

“عندما تكون منعزلًا ووحيدًا فإنك تأكل نفسك، وعندما تكون مع الآخرين فإنهم يأكلونك”

نيتشه

أنتصف الليل وأنا أراقب عمق الليل عن كثب من شرفة منزلي. بردٌ قارس على غير عادة أواخر آذار. العالم من حولي يحترق وتضيء الصواريخ أجزاءً متفرقة من الأفق في اتجاه الشرق من المدينة، ويتساقط الأبرياء بلا ذنب من كل مِلّة. سكون الليل متوجّس وظلامه يغمرني بحنان ويهمس لي… تمتع بهذا الربيع الشتوي. مرة أخرى ومضاتُ انفجاراتٍ في الأفق تشق الظلام، ودويّ انفجارات يعكر الصمت.

الأمطار غمرت الأرض ماءً، فجرت السيول كأنها أنهار تستعيد حقها القديم. شتاءٌ آخر ينتهي، ويلتحق بسبعين شتاءً انقضت كحلم. آهٍ… ما أقصر الحياة. أكاد أرى نفسي أسير في شوارع الدواسة في الموصل، تحت زخّات المطر قبل نصف قرن. هناك دور سينما غرناطة والجمهورية وبابل، مقهى مهدي وأم كلثوم، فلافل بدر، وحديقة الشهداء وكأنني أسمع أنفاسي تلك، وأشعر بخفة خطواتي، وأتحسس قطرات المطر على وجهي وعدسات نظارتي. أتذكّر ابتسامة عقيل الساخرة وهو يقول: «ثم ماذا؟ وإلى أين؟» ترك السؤال معلّقًا، ورحل مبكرًا دون انتظار.

كنت، حين أسمع وديع الصافي يشدو: «ما بقي من العمر أكثر ما مضى»، أواسيه في سرّي. أمّا الآن، فأقول إن الأغنية نفسها قد فات أوانها.

سبعون شتاءً… ومع نهاية كل شتاء، كنت أشتاق إلى الذي يليه. كما الآن… أشتاق للشتاء القادم، إن أتى. فأنا مغرمٌ بالشتاء حتى العظام؛ فيه أجد نفسي، منكمشًا داخل ذاتي، كثيفًا، صافيًا، في ذروة حضوري.

كان الشتاء يأتي بلا كلل…

ولم يأتِ غودو أبدًا.

أمام شرفتي، تقف أشجار التوت التي زرعتها بيدي منذ زمن بعيد، شامخةً، مكتظّةً بأعشاش العصافير. هي تاريخي الصامت في هذا المنزل. عاصرتها وهي تكبر، حتى بدأت تلوّح بشيخوختها.

بدأ البرد يتسلّل إلى عظامي، والليل ينسحب ببطء أمام فجرٍ رماديّ ثقيل وغائم. قررت أن أنسحب إلى مخدعي. وأنا أغلق النافذة، أدركتُ أخيرًا بأنني لم أكن أنتظر غودو. كنت فقط أؤجّل الحياة.

 

(2)

كان النهار يجرّ أذياله الأخيرة نحو المساء في يومٍ شتائي هادئ، متشحًا بلون رماديّ داكن وغيوم كثيفة، يبثّ برودته اللاسعة في الأرجاء بهدوءٍ آسر وجمالٍ حزين. كنتُ أسير مع صديقي عبر إحدى طرقات الجامعة بخطًى قصيرة بطيئة، فيما كانت لسعة البرد تتسلّل إلى جسدي وكأن ورشة مسامير خفيّة تعمل في صمت داخل تلافيف ركبتي اليمنى؛ تلك التي خدمتني سبعين عامًا كاملة، ثم ها هي اليوم تخونني، فتجبر ثقل جسدي على الاتكاء على رفيقتها اليسرى.

في أواخر العمر تبدأ أعضاء الجسد تمرّدها الصامت، لا عن خبث، بل عن إهمالٍ قديم تراكم بصبرٍ طويل. وخيانة الجسد، يا صديقي، أشدّ وقعًا من خيانة أيّ شيء آخر؛ لأنها تأتي من الداخل، بلا إنذار، ولا فرصة للاعتذار.

كان صديقي يحاول أن يبثّ فيّ شيئًا من المرح، علّني أستعير من روحه قوةً إضافية. كان صوته رقيقًا، يشبه نداءات عصافير الفجر أمام بيتي، حين تنادي بعضها بعضًا إيذانًا بميلاد شمس جديدة. سألني، وفي صوته عتبٌ لطيف، عن سبب توقّفي عن كتابة خربشات ما بعد انتصاف الليل. ابتسمت وقلت:

ربما البلادة يا صديقي… فهي معدية.

عندها داهمتني ذكرى قديمة، وكلمة قالها أحد أصدقائي منذ نصف قرن. كنّا أيام الجامعة أربعة شبّان، لا نكاد نفترق في ساعات الفراغ أو ما بعد الدروس. لم أكن يومًا من أصحاب المرح؛ كانت ملامحي تميل إلى الجدية، وربما إلى العبوس أحيانًا. يحدث أن يستيقظ الإنسان مثقلاً بضجرٍ لا سبب واضحًا له، مسكونًا بمللٍ غامض ينهش الروح دون تفسير. وحين كنّا نلتقي، كان ضجري يتسلّل إلى وجهي، أو يفضح نفسه في فتور ردودي وسلبيّة مشاركتي في نقاشاتنا عن أحلامنا وبطولاتنا الوهمية، فأُلقي بظلٍّ من عدم الارتياح على الجلسة.

في أحد تلك الأيام، قال لي أحدهم بصراحةٍ جارحة وضرورية: إن شعرتَ بالضجر والملل مرةً أخرى، فالأفضل لك ولنا أن تنزوي بعيدًا، وأن تؤجّل لقاءنا. ضجرك معدٍ، ويكفيه أن يفسد علينا يومنا. كان تقبّل رأيه في البدء مؤلمًا؛ فالأصدقاء، في ظنّي آنذاك، خُلقوا ليحتمل ويواسي بعضهم بعضًا. غير أن الزمن علّمني لاحقًا صواب ما قاله. فالآخرون ليسوا مسؤولين عن ضجري، ولا ذنب لهم في مزاجٍ عابر لا يملك تفسيرًا منطقيًا، ولا قدرة لهم على انتشالي منه.

البلادة المتفشية حولنا معدية، وربما قد أصابني منها شيء. هذا هو الذي نسميه في أيامنا هذه بالطاقة السلبية.

  • د. فاضل علي غائب

رئيس قسم هندسة النفط والمناجم

جامعة تيشك الدولية – اربيل