
قصة: عبد الرحمن فرهادي
ترجمة: ماجد الحيدر
لم أكد أغادر بيتي في الصباح الباكر لأول أيام الأسبوع حتى نادتني زوجتي طالبةً مني أن أجلب معي ماسحة حين أعود، لأن ماسحة البيت مكسورة. عندما مضيت في طريقي قلت لنفسي:
- قد أنسى جلبها معي عند رجوعي. من الأفضل أن أشتري واحدة قبل أن أذهب إلى عملي.
عرجت في الطريق على شارع الشهيد سمكو واشتريت من أحد الميني ماركتات رأس ماسحة وعودها الخشبي بثلاثة آلاف دينار. نظرت إلى ساعتي فوجدت متسعًا من الوقت لأعود إلى البيت كي تغسل زوجتي بلاط صحن الدار الذي اكتسى لونًا نارنجيًا بسبب المطر الطيني الذي هطل الليلة البارحة. وصلت إلى البيت ونزعت الغطاء النايلوني للماسحة وشرعت بشد العود إليها فلم يمسك به؛ كانت فتحة الماسحة أكبر بكثير من سُمك العود، أو لنقل إن العود كان أرفع من فتحة الماسحة. حاولت كثيرًا وأدرتها يمينًا وشمالًا لكن دون جدوى، فاضطررت أن أعود القهقرى وأدب إلى الميني ماركت فوجد ولدًا صغيرًا جالسًا في مكان أبيه الذي اشتريت منه الماسحة وأفهمته أن عود الماسحة لا يناسب فتحة رأسها، لكنه طلب مني أن أنتظر حتى يعود والده فانصعت على مضض ووقفت نصف ساعة تحت الشمس المنهكة حتى عاد الأب ببيشماغه وستّرته وسرواله المختلفين في اللون وأبدل لي الماسحة بعد طول مماطلة. لم أنطق بشيء لكنه ظل يردد على مسامعي:
- موادنا كلها أصلية. تأمل بنفسك!
وعدت إلى البيت من جديد، وحتى أوصلت الماسحة وبلغت عملي كان شطر من الدوام قد انقضى.
في صباح اليوم التالي ارتميت في الحمام كي أغتسل كما في كل يوم قبل الذهاب إلى العمل، فرأيت الطست البلاستيكي الذي اشتريته قبل ثلاثة أعوام وقد انثقب وأخذ الماء يتسرب منه. عندما خرجت من البيت توجهت من فوري إلى الدوام وذكرت نفسي بأن علي أن أقتني، عند رجوعي، طستًا جديدًا للحمام. خرجت قبل انتهاء الدوام بساعة ومررت في طريق رجوعي بدكان بائع الحاجات البلاستيكية واشتريت طستًا أبيض جديدًا ما زال في غلافه النايلوني، وصلت إلى البيت ووضعته في الحمام ورفعت القديم وألقيته في القمامة التي أمام باب البيت. استيقظت في الصباح الباكر ودلفت إلى الحمام من جديد لألقي على جسدي بعض الماء قبل الخروج إلى العمل وحين سحبت الطست سمعت صوت طقطقة تخرج منه وشعرت بأنه مكسور في مكان ما، بحثت عن مكان الكسر فاكتشفت فيه فطرًا عموديًا طويلًا. ندبت سوء حظي ولم أدر كيف اغتسلت! خرجت من البيت أنا والطست وكان الجيران يتفرجون عليّ ويتساءلون في استغراب: ترى أين يريد أخذه!
وصلت إلى بائع الحاجات البلاستيكية وأفهمته أن الطست مثقوب وطلبت منه إبداله بواحد سليم. صاحبنا كان شديد البخل، لكنه أذعن أخيرًا وعلى مضض وبعد أن أقسمت له بأن الطست كان مكسورًا عندما اشتريته، ولم ينس هو الآخر أن يقول لي: نحن يا أستاذ لا نتعامل مع البضائع العادية والمكسورة، موادنا كلها أصلية تمامًا!
استيقظت في الصباح الباكر وهممت بأن أغتسل كما في كل يوم. جرّبت، ضغطت على زر مصباح الحمام، ومع تلك الضغطة خرج وهج قوي من المصباح ثم احترق. لم يمض أكثر من شهر على شرائي له وبضمانة أصلية. انهمكت بالاغتسال وسط تلك العتمة ولم أدر كيف دلكت الليفة بالصابون لكنني أفلحت في إتمام حمامي كيفما اتفق وركبت سيارتي وتوجهت إلى العمل. ناديت فراشي (شوكت) ووضعت في يده عشرة آلاف دينار وطلبت منه أن يذهب، عندما يسنح له مجال، إلى دكاكين شارع (سيتاقان) ويشتري لي مصباحًا لولبيًا أصليًا بمؤخرة مبرومة من ماركة (فستل) وأن يحتفظ بالباقي. عاد شوكت حوالي الساعة الواحدة ومعه المصباح وأخبرني بأنه أصلي ومن الدرجة الأولى فشكرته بحرارة. عندما رجعت إلى البيت ذهبت إلى الحمام فور انتهائي من الغداء كي أغير المصباح. رميت القديم في سلة المهملات وشددت الجديد بشكل جميل ومحكم، ثم جرّبت.. ضغطت على زر الكهرباء، لكن المصباح لم يعط ولو ومضة من نور، وتبين لي أن المصباح الجديد محترق هو الآخر. انتابني الغم وصببت اللعنات على حظي التعيس. في اليوم التالي استحممت في الظلمة من جديد، وفور وصولي إلى الدوام ناديت على (شوكت) وأفهمته بأن المصباح معطوب وطلبت منه أن يذهب ويبدله بواحد آخر، لكنه أخذ يتذمر ويحاول التملص فاضطررت، لكي أهدئه، إلى دس خمسة آلاف أخرى في جيبه. بعد ساعة كاملة عاد شوكت ليقول لي:
- أستاذ. صاحبنا مالك الدكان رفض تبديل المصباح. قال لي اذهب وأحضر “أسطتك”.
- ومن هو أسطتك؟
- جنابك، إنه يقصدك.
لم يكن لي مناص سوى أن أتوجه مع شوكت إلى صاحب الدكان وأطلب منه أن يبدله لي. غضب صاحب الدكان وتطاير الشرر من عينيه، لكنني أفلحت، بعد طول مداورة وتذمر، في إقناعه بأن المصباح كان معطوبًا من وقت شرائي له. غير أنه واصل تأكيداته:
- بضاعة هذا المحل تساوي 500 ألف دولار. ليس فيها مادة واحدة غير أصلية. هذه أول مرة يحدث فيها شيء من هذا القبيل. موادنا كلها أصلية..
يوم الثلاثاء عدت من عملي في ساعة متأخرة من الظهيرة، رغبت في أن أنال قسطًا من الراحة ولا أخرج من البيت بل أمكث لأطالع كتابًا ما. لكن ولدي تقدم مني بعد الغروب وبادرني قائلًا:
- أبي. يجب أن تأخذني إلى بائع الموبايلات في الشارع الستيني. درع هاتفي امتلأ بالخدوش ولا بد من إبداله.
لم يكن لي من مناص سوى تشغيل سيارتي والتوجه إلى بائع الموبايلات الذي نفذ ما طلب منه بكل دقة وانتظام لنعود بعدها إلى البيت. ولكن قبل أن يمر وقت طويل على رجوعي من صلاة العشاء وحال انهماكي بقراءة رواية لـ(خسرو الجاف) تصاعد الصياح ما بين ولديّ الاثنين اللذين لم يتوقفا يومًا عن العراك والخلاف ولم يتفقا مرة على شيء. لقد ولد أحدهما بعد الآخر، ولهذا لم يكونا ليتركا البيت ينعم بساعة من السلام. كم نصحتهما ولكن دون جدوى. كان الأول الذي أصلحت له الهاتف يصيح بأخيه ويتهمه بأنه كسر هاتفه فيما كان الثاني يصعد لعنان السماء وينزل أرضًا ويؤكد له:
- لم أكسر موبايلك. إن درعه من النوع العادي ولا بد من أنه ارتطم بشيء وانكسر!
تدخلت بينهما لكي أهدئ الأوضاع، وأمرتهما بالسكوت، وجرجروني في هذا الوقت من الليل إلى بائع الموبايلات كي أبدل درع الهاتف من جديد. عندما وصلنا إليه كان البائع منهمكًا بإقفال دكانه فتباطأ قليلًا عندما رآنا، فبادره ابني:
- عمو. الدرع الذي وضعته لنا من النوع العادي، ليتك تبدله لنا بواحد أصلي.
عندما سمع ذلك صعدت عينا صاحبنا وراء رأسه وصاح به:
- هل تعني أنني أبيع حاجات عادية؟ اذهب فطلبك ليس عندي!
تمكنت من تهدئته بشق الأنفس، لكنه واصل النقيق والتذمر والادعاء بأنه يذهب إلى الصين شخصيًا لاستيراد هذه المواد، غير أنه، وفقط بعد أن نفحناه ثمن درع جديد، التفت إلى ابني عابسًا وقال له:
- لا تتكلم معي بمثل هذا مرة أخرى، قل هذا براحتك لمن تريد، لكن ليس لي. أترى دكاني هذا؟ لم تدخله بضاعة عادية منذ أن وجد. موادي كلها أصلية!
اضطررنا على كل حال، إلى شكره بحرارة وعدنا أدراجنا..
في الليلة البارحة لم يطرق النوم أعيني بسبب ألم سني. عجبًا! لم يمض أسبوع على قيامي بحشوه بالبلاتين ودفعي مئة دولار للطبيب العربي الذي يقال بأنه أفضل أطباء المدينة، لكن الألم لم يبارحني فما كان علي إلا أن أتوجه منذ الصباح إلى أحد المستشفيات الأهلية على طريق (كويه) يعمل فيه زميل لي من أيام المدرسة لم أره منذ عشرين عامًا واسمه الدكتور شمال. قطعت تذكرة المراجعة ودخلت إلى غرفته عندما حان دوري. فرح الدكتور شمال برؤيتي وأبدى لي احترامًا كبيرًا. عرضت عليه السن الموجوع ففحصه بعناية ثم قال:
- أستاذ. حشوة البلاتين التي وضعها لك طبيبك من النوع الرديء ولم تلتصق بالسن جيدًا. أنا أمارس تقويم الأسنان حاليًا لكنني سأرسلك إلى الغرفة المجاورة حيث الدكتور حميد. إنه مختص بحشوات البلاتين الأصلية.
وأحالني إلى الدكتور حميد، وبعد ساعة من الشد والجذب والحفر والصليل الذي يرج الدماغ أخرج الدكتور حميد البلاتين العادي ووضع لي بلاتينًا أصليًا من الباب الأول بمئة وخمسين دولارًا وهو يعيد ويعيد:
- هذا البلاتين الذي أضعه لك من نوع فاخر وأنا مسؤول أمامك إن وجدت فيه عيبًا خلال سنة كاملة.
استيقظت مبكرًا في اليوم التالي. كان الجو باردًا جدًا. دلفت إلى الحمام وأدرت مقبض الماء الساخن وانتظرت نزوله كي أسكبه على رأسي وجسمي، لكنه ظل باردًا ولم تنزل قطرة من الماء الساخن. تبين لي أن ملف التسخين الأوتوماتيكي للسخان الكهربائي معطوب دون شك. اضطررت إلى ارتداء ثيابي من جديد. هذه أول مرة أرغم فيها، خلال الأعوام العشرة الأخيرة، على الخروج من البيت دون اغتسال، فكنت أشعر طوال الدوام بأن جسدي كله يحكني. عرجت عند عودتي على سوق المواقد واشتريت ملف تسخين أصليًا مع كفالة عشرة أعوام بمبلغ عشرة آلاف دينار، ولم يفت صاحب الدكان أن يقول لي:
- لا تحمل همًا يا أستاذ، هذه أصلية تمامًا.
عندي في البيت مفك (سبانة) كبيرة تصلح لتبديل ملف التسخين فجلبتها بعد الغداء وفككت الملف المعطوب، ملأ الماء المكان وتبللت من رأسي حتى أقدامي. من حسن حظي أن الملف الجديد دخل في مكانه بسهولة فانهمكت في شده بإحكام. وصل الملف إلى آخر نقطة واتخذ مكانه بإحكام، لكنني ظللت أشد وأشد. كنت أخشى أن يتسرب الماء منه فنزلت عليه بكل قوتي حتى تصبب العرق مني في هذا الشتاء البارد. قلت لنفسي: نصف دورة أخيرة وينتهي الأمر. فجأة خرجت منه قرقعة. آه لقد انكسر الملف من عنقه وبقيت أسنانه محشورة في فتحة السخان. يا للمصيبة! بالله عليك يا تعيس أفندي، منذ متى صار هذا شغلك؟ ألم يكن من الأجدر بك أن تستعين بأسطى خبير؟ عجيب! نظرت إلى الملف. كان محطمًا بطريقة لن نتمكن فيها، لا أنا ولا أبي، من إصلاحه! شغلت سيارتي عند العصر وانطلقت لأبحث عن مصلح المواسير القريب، لكنه أخبرني بأنه مشغول للغاية ولا وقت لديه للذهاب معي إلى البيت. غير أنه أعطاني رقم هاتف مصلح ثان اسمه الأسطى سردار. اتصلت بالأسطى سردار وأفهمته بما أريد. بعد ساعة كان سردار أمام باب البيت. عندما رأى حال السخان سألني بانزعاج:
- من هو الحيوان الذي كسره بهذا الشكل!؟
أجبته بأن نسيبي الوغد قد ربطه بهذا الشكل وبأنني غضبت منه ولم أسمح له بأن يستمر بالعبث به! على كل حال، خرج سردار وفتح صندوق سيارته وأخرج ملف تسخين جديد وقال لي:
- أستاذ، هذا نوع إيطالي أصلي من الدرجة الأولى وسوف أشده إلى سخانك بضمانة عام كامل، لكن كلفته مرتفعة بعض الشيء ثلاثون ألفًا، مع الربط، إذ إن سعره لوحده عشرون ألف دينار.
ما العمل؟ هززت رأسي مذعنًا فباشر عمله، وعندما دنا المغرب صار الماء دافئًا نوعًا ما فوضعت نفسي تحت رشاش الماء ثم دخلت غرفتي وغططت في النوم.
صباح اليوم التالي نظرت في ساعتي فوجدت أنها تجاوزت التاسعة. فرحت كثيرًا لأن اليوم هو الجمعة وسأنال قسطًا من الراحة. حوالي الساعة الحادية عشرة طلبت مني زوجتي أن أذهب إلى الفرن لجلب الخبز، فأخبرتها بأنني أشتهي بعض الكباب المقلي والعدس على الغداء. عندما خرجت كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة. دنوت من مخبز العم وهاب وركنت السيارة وانتظرت على جنب ريثما خف الازدحام ثم اشتريت ثمانية أرغفة وصعدت إلى سيارتي. أعطال سيارتي ليست وليدة اليوم بل عمرها مئة سنة! تعبت أكتافي لكثرة ما أدرت (السلف). يا إلهي، هل كتب علينا نحن الكورد أن نقضي حياتنا في البرم والتدوير؟ نبرم اليشماغات، نبرم لفافات الخصر، نبرم لفافات السيقان، نبرم الفطائر المحشوة. وفي حياتنا لا نكف عن البرم ونحن نستعمل آلاتنا وحاجاتنا: تبديل ملف سخان الماء يحتاج إلى برم. تغيير المصباح، تبديل الماسحة، تبديل مضخة الزيت، تشغيل السلف.. البرم صار مثل الخبز والماء والهواء عند الكورد. أدرت السلف مرة أخرى، لكن المحرك ظل على عناده. أخرجت موبايلي واتصلت بولدي (روند) فوصل إليّ بعد دقيقة واكتشفنا أن مضخة الزيت معطوبة! يا إلهي العزيز، متى تحل هذه الأعطاب عن خناقي؟ عطب المصباح، عطب السخان، عطب مضخة الزيت. ماذا بقي دون عطب يا تعيس أفندي المحترق الأوراق! كان روند يحتفظ برقم موبايل واحد من مبدلي مضخات الزيت المتنقلين فاتصل به. جاء صاحبنا بعد عشرين دقيقة وأخرج لنا عدة أنواع من المضخات وبيّن لنا أن النوع الأصلي من الدرجة الأولى يكلف سبعين ألفًا مع أجرة التبديل، والنوع المتوسط بستين ألفًا بينما لا يزيد الأقل جودة عن أربعين ألفًا. اتفقنا بعد الأخذ والرد على أن يركب لنا النوع الأصلي بخمسة وستين. استغرق عمله نصف ساعة كان يواصل خلالها التغني بمضخته ويقول:
- هذا النوع أصلي رقم واحد ولا يتوفر عند أحد غيري…
هذه هي الجمعة التي يفترض فيها ألا أغادر البيت، لكننا لم نعد إلى البيت إلا قرب الساعة الثانية ظهرًا!



