![]()
مصطفى سمير
خريج قسم هندسة حاسبات
TIU – Erbil
مقدمة ولابد منها
الفن؟
الفن!
كلمة من كلماتٍ عديدة يختلف تعريفها باختلاف زاوية الفُتحة التي تُسترق النظر إليها على وقائع وحقائق هذا العالم. الجميل في هذه الكلمة، هي – برأيي – إمكانية تطبيقها أو مناقشتها من زاويتين – أو كفّتين – مختلفتين: بالمختصر البسيط، من كفّة الترجمة، يطالب وعيي في تحويل نوع المشاعر والأفكار والتجارب إلى صورة – سواء كانت متحركة أو جامدة – أو صوت. ثم يأتي دور الحِرفة في إتقان وتجميل هذا المنتج البشري. ولضمان جودة المنتوج وإحالته عن كونه تجاريًا وجماليًا بحتًا؛ في حال مالت الكفّة بشكل مبالغ فيه إلى جهة الحِرفة، أو كان مجرد فضفضة خالية من المعنى في حال مالت الكفّة بشكل مبالغ فيه إلى جهة الترجمة؛ يتطلب الأمر اتزان الكفتين لتحقيق المعادلة الفنية.(1)
الأدب السردي:
بالمختصر البسيط، هو نوع من أنواع الفنون، يقوم على ترجمة ما سبق ذكره من أفكار وتجارب ومشاعر إلى كلمات تطرب القُرّاء، والمفترض أن تحمل هذه الكلمات معاني وانعكاسات كاتبها. أما السرد فهو كيفية تشكيل وتقديم الفكرة أو التجربة أو الشعور.
الفلسفة:
أي “حب الحكمة”، بالمختصر البسيط، هي منهاج عقلي قائم على الحجج والعقلانية، يستخدم التشكيك والنقد والنقاش للوصول إلى الحقيقة المرجوة. (2)
الأدب أمام الفلسفة:
في مقابلة شهيرة بين آيريس مردوك وبراين ماغي من برنامج Modern Philosophy: Men of Ideas (1977)، حيث تناقش الاثنان إمكانية دمج الأدب والفلسفة، وكان المختصر من آراء آيريس بخصوص الموضوع: يقوم الأدب بالعديد من الأشياء بينما الفلسفة تقوم بشيء واحد؛ يختفي صوت الفيلسوف وتبقى فقط كلماته، عكس الأدب. وأن الوجود الفلسفي في الروايات، يخدم فقط كمادة خام تُستخدم لسير الأحداث. مثلًا، إذا كنت تعرف شيئًا ما، يمكنك الكتابة عنه في روايتك. على سبيل المثال، إذا كنت أعرف شيئًا عن السفن، سأستخدم السفن في الرواية.
يرد براين في النهاية ويتفقان على أنه من الصعب أن يتم تزاوج ناجح بين الأدب والفلسفة، بحيث لا يخدم فقط كمادة خام للكتابة، وإنما على تشكيل الرواية نفسها، كما حدث مع جان بول سارتر في روايته الغثيان. (3)
الدمج أمام التزاوج:
يبدو التزاوج – الذي سنتكلم عنه أكثر لاحقًا – فكرة لامعة في ظل إرادة الكاتب إضفاء قيمة معرفية، لا فقط فنية أو فكرية. لكن ماذا عن إمكانية دمج الاثنان بشكل كامل؟
تجادل آيريس فيدمار من جامعة رييكا الكرواتية المطالب القائلة بالاستغناء عن جمود وبرود الأبحاث الفلسفية ودمجها في الأدب: “يمكن للأدب والفلسفة أن يتقاطعا في عدة مستويات، لكن المسافات الشاسعة بينهما تحول دون إمكانية أو نجاح فكرة دمج الحقلين – الفني والفلسفي.”
من الصحيح أن الحقل الأدبي والفني يسهل من استهلاك وامتصاص الفكرة، لكن لاختلاف الحقلين في نواحي مثل: المساعي، الأهداف، المعايير التقييمية، المشاعر… الخ؛ يصبح من الواضح لماذا نعارض فكرة دمجهما.
الجدير بالذكر ما ورد في مقالتها البحثية، وبالمختصر: بما أن قيمة النص الأدبي له هوية خاصة ومميزة من حيث التكوين وطريقة تعامله مع الوحدات اللغوية وعلاقتها بمعنى النص؛ أي المتعة الجمالية، وهذا ما يجعله عملاً فنيًا – كما أبرزه آي. سي. برادلي – فإن أي ترجمة لغوية لمحتوى النص الأدبي، سيفقده لا محالة شيئًا من قيمته الجمالية. وهذا ما لا نجده في الفلسفة، حيث يمكن ترجمة العديد من النصوص الفلسفية إلى أي لغة أخرى دون فقدان قيمتها المعرفية، بغض النظر عن النصوص الفلسفية النثرية مثل التي يمارسها نيتشه أو ألبير كامو في كتابه أسطورة سيزيف. (4)
وسيط/وسيلة:
يتشارك كلا من الفلسفة والأدب في وسيطهما النصي – كلمات/نصوص – لكن من حيث المبدأ يختلفان: ففي الفلسفة، يتم الاهتمام بالفكرة أو المعالجة أكثر من الوسيط أو الوسيلة التي يتم بها طرح الفكرة أو المعالجة، سواء كان الوسيط/الوسيلة هي رواية أم حوار، مسرحية أم مقالة… الخ. فلا أهمية للوسيلة بقدر أهمية الفكرة والحجج المطروحة. في النهاية، وبالغالب، تكون المقالات والحوارات هي وسيلة النقل المفضلة للنصوص الفلسفية وذلك لمحافظتها على الوضوح والرصانة والدقة – وهي أهداف النصوص الفلسفية.
ينقلب الأمر بالنسبة للأدب: يتم الاهتمام بالوسيلة أو الوسيط بقدر الاهتمام بالفكرة، بل ويؤثر بشكل كبير على النص الأدبي وسرده. بالإضافة إلى أن هناك مساحة إبداعية توافي غموض معاني النصوص والرمزيات والتفاسير… الخ.
الفيدو وهاملت:
أعجبني مقطع من أطروحةٍ كتبتها كِلير سي. هيجن عن جامعة بيلارمين الأمريكية في وصف الفرق بين عدم اعتبار نص مسرحية هاملت الشكسبيرية نصًا فلسفيًا، ونص الفيدو – وهو نص حواري جدالي بطلُه سقراط، ومعنى الفيدو باللاتينية هو: “عن النفس” – نصًا أدبيًا. وسأختصر ما عنته:
تحليل الفيدو كنص أدبي، يسلط الضوء على عمق فلسفي بحدود نصها الدرامي، إلا أن النص يفتقد إلى صراع مركزي مدفوع برغبات شخصية، لذا يخلو النص من إمكانية تحويله إلى أداء فني ناجح. لذلك يعتبر الحوار وسيلة لعرض الحجج الفلسفية لسقراط، ويوفر السرد سياقًا لا توترًا دراميًا، وتتحول الشخصيات في الفيدو إلى أدوات لتقديم الحجج والجدال.
تحليل هاملت كنص فلسفي، يجادل بفعالية أن هاملت، برغم تعامله مع مواضيع عميقة مثل الوجود والموت، فإنه يفضل الصراعات الشخصية على التفكير الفلسفي المنهجي، ويميل لاستكشاف السرد والمعضلات الشخصية. (5)
الرواية الفلسفية:
تعتبر علاقة الفلسفة بالأدب علاقة جدلية – وذلك للنقاط التي يشتركون فيها لا التي يختلفون بها – وتاريخية منذ ظهور الكتابة. يتصارع الناس في تفسير وتعريف مصطلح “الرواية الفلسفية”، ونجد أن عملية تزاوجهما تنجح بشروط وأسباب، بعضها هي:
- أن الرواية الفلسفية هي رواية قبل أن تكون فلسفية.
- حينما يكتب الإنسان نصًا روائيًا، يصبح النص مُلك القارئ لا الكاتب. (6)
- يسمح بالتأويل المفتوح للنصوص الأدبية على إعادة النظر والتفسير المتجدد للرواية الفلسفية، وبذلك تقدم زوايا أكثر للموضوع وتشجع على عملية المشاركة والبحث، بل وحتى خوض غمار رحلة أكاديمية إذا كنا جريئين كفاية. (7)
- تقديم رؤى واطلاعات على المواضيع الفلسفية بشكل بسيط وإمكانية استثمارها تربويًا واجتماعيًا. (8)
- أن الرواية هي نصوص وعائية، تسمح بالاطلاع على مختلف العلوم والأفكار، لكنها بعيدة عن أن تكون شيئًا آخر غير الفنون.
عملية زواج صعبة لكن ناجحة:
بالنهاية، لستُ سوى شخص مهتم ومبتدئ، كون أفكاره بناءً على تجاربه في مناقشة موضوع مثل الذي قرأناه، ولأهداف خاصة. فلا لزوم لاستنتاجي الذي سأكتبه أن يكون مصدرًا معرفيًا أكثر منه تثقيفيًا. فساحة الأدب هي ساحة الفنون، والفنون نابعة من وعي وتجارب الإنسان الغير خاضعة لحدود واضحة، والفلسفة تتبعها في فكرة وجود مساحة كافية لكي يتناقش الاثنان بالحجج وينتقد أحدهما الآخر:
بينما يتفاعل الأدب بشكل مختلف عن الفلسفة مع المتلقي بسبب طريقة تعامله مع الفكرة والحقيقة، وبينما أن الفلسفة هي أسلوب تفكير منهجي والأدب هو وسيط فني ناجح لتقديم تجاربنا وأفكارنا… الخ، نستطيع معرفة لماذا اختار فلاسفة كبار مثل كامو وسارتر ونيتشه الأدب كميدان للتبسيط والتعريف لأفكارهم؛ فمادام للخيال بابًا مفتوحًا، سيظل المستحيل ممكنًا في سياق الأدب – والفنون كذلك. وهكذا تبرز الفائدة في الرواية الفلسفية التي تقدم رؤى واطلاعات عن الفلسفة، يستفيد منها المتلقي وتشجعه على المغامرة والتعمق لاحقًا في النصوص الفلسفية الأكاديمية والاشتراك فيها… إن كنا جريئين كفاية.

المصادر:
-
ما يتم تناوله في (معنى الفن) في المقدمة هيَ وجهة نظر شخصية تقبل الخطأ
—
-
نايْجل وَاربُرتوْن (2019). مختصر تاريخ الفلسفة (الطبعة الأولى). تقديم: علي حسين. ترجمة: د. محمد مفضل.
نشر: دار الكتب العلمية للطباعة والنشر والتوزيع. عن الإنكليزية:
a little history of philosophy
—
-
Philosophy and Literature with Iris Murdoch and Bryan Magee (1977)
—
-
Vidmar, I. (2014, December). Literature and Philosophy: Intersection and boundaries. In Arts (Vol. 4, No. 1, pp. 1-22). MDPI.
—
-
Hagan, C. C. (2018). Where Literature and Philosophy Meet and Diverge.
—
-
الكاتب والباحث الدكتور محمد المعزوز في مقابلة على شاشة
YouTube channel: (Télé Maroc)
—
-
كعبش ر. (2021). الرواية الفلسفية من التأويل نحو الفهم إمكانات القراءة وسبل تشكيل رؤى العالم. المدونة
, 8(3) , 3113-3126.
—
-
الرواية الفلسفيّة وسيطًا بين الفكر المجرّد وفنّ الحياة -ناتالي الخوري غريب. كيف نستثمر الرواية الفلسفيّة تربويًّا واجتماعيًّا وتبسيطًا للفلسفة؟
رابط موقع: معنى
قراءات أخرى كانتْ مفيدة:
M’Begniga, A., Yu, Z., Ling, Y. B., Bourema, S., & Asif, M. (2022). Analytical note on the relationship between literature and philosophy.
—
العلاقة بين الفلسفة والفن والأدب | د. حسن حماد
(نادي الأدب الحديث)
—
فلسفة الرواية والأدب مع غيث الحوسني بودكاست صوت الفلسفة – الحلقة 1
Voice of Philosophy podcast
YouTube channel: (Philosophy house)
—
نقاش غير أكاديمي غير رسمي مثير للاهتمام من على موقع (ريددت)
(Reddit)
Lamarque, P. (2008). The philosophy of literature. John Wiley & Sons. (Book)

