لن يفنَ ما يبتزه الألم

Author Photo

د.يوسف عبدالله حسين

قسم الهندسة المدنية

TIU – Erbil

قصة قصيرة

(ماذا قلت؟) هتف بها صوتٌ من زاوية الغرفة المعتمة، حيث الظلام يبتلع النور كحوت جائع. ارتدّ ذهني من متاهاته وقلبي من شروده، استدرت ناحية الضجيج. رأيته ينفصل عن العتمة، يسير بثبات، بلا استعجال، كأنما يملك كل الوقت. من هو وكيف اقتحم الوحدة التي لا رفيق لها سواي؟ بانت ملامحه الآن، إنه فتى قوي، ملامحه صارمة كأنها منحوتة بإزميل قسوة. عيناه، مسماران صدئان، ينفذان في ذاكرتي، كأني أعرفه منذ طفولتي، وفي صباي الذي تلاشى. كيف يمكن أن يمتد وجهه الفتيّ عبر العقود حتى يصل إلى شيخوختي؟

ثمانون عاماً من الترحال فوق هذه الأرض اقعدتني حتى عن فكرة الهرب. ثمانون عاماً تجلس فوق صدري، تثقل لساني، وتجعل حتى الصراخ أمراً غير وارد.

(ماذا قلت؟) كررها وكأن صوته يغرز إبرة في نسيج ذاكرتي المهترئ.

(لا أتذكر تماماً) تذبذب صوتي في الهواء واهناً، مثل ريشة تهوي في الفراغ (كنت شارد الذهن… أنتقل بين الأفكار بلا استئذان، ربما تمتمت بحكمة، أو بيت شعر… آه، تذكرت… آخر ما فكرت به كان للجواهري: “لم يبقَ عندي ما يبتزه الألم…”)

هممت بإكمال البيت، لكنه رفع يده، قاطعني بحدة:

(عن هذا كنت أسأل… هل ينطبق عليك؟)

ساد الصمت في الغرفة قليلاً ثم سحبت نفساً عميقاً، كأنني أبتلع السكون (ولمَ لا؟) قلت له، ثم أتممت (حسبي من الموحشات الهم والهرم).

دار الغريب حولي كظل انفلت عن جسده. ثم سحب كرسياً وجلس. تحت ثقله، أنَّ الخشب، كأنه يشكو من آلامه، حتى أوشك أن ينكسر. كيف يحدث هذا؟ لا يبدو عليه كل هذا الثقل. مفتول العضلات، نعم، لكن ثمانون كيلوغراماً، وزن الفتى، لا تكفي لإرغام الخشب على هذا النشيج، إلا إن كان الحمل مضاعفاً… أو ثلاث مرات أثقل.

رفع رأسه وحدق فيّ ثم أجاب هو على سؤاله الأول (لا ينطبق عليك، ولا على أحد… هل تفهم؟) كلماته جاءت كضربة فأس على أوهام أمل الأمان الذي كنت أبحث عنه.

(اهدأ يا سيد… قد نختلف في تأويل بيت شعر، لكن هذا لا يجعلنا مختلفين)

(بل مختلفان… جداً مختلفان. لا شيء يجمعنا حتى لو كُنّا في نفس المكان)

مدّ يده نحوي، هل هي دعوة للصلح أو قد تكون شركاً. لا أدري لماذا مددت يدي إليه… كي لا أستفزه؟ ربما. ثم انطبقت كفه على عظام يدي كأنها فخٌ فولاذي. حاولت الصراخ، لكن لم يكن سوى أنين مكبوت ينبعث من رئتين منهكتين، حاولتُ التراجع، لكنها ليست إلا محاولة عقيمة لطائر بين فكي قط بري.

وعندما أفلتني، فعلها بإرادته، لا بطلبي، سحبتُ يدي إلى صدري، احتضنتها كأنني أواسيها. (لماذا آذيتني؟) نظرت إليه مُنكَسِراً أشكوه إلى نفسه. هل ابتسم الغريب؟ نعم، كان يسخر من تصدّعي من الألم.

ثم قال (لأثبت لك ما نحن بصدده).

(بكسر يدي؟)

(سأثبت لك شيئين، أولها أننا مختلفان حتى ونحن في نفس المكان. أنظر إلى الألم في كفك… وإلى كفك ذاتها. هما في المكان ذاته، لكنهما ليسا واحداً. وثانيها) توقف، ثم مالت شفتاه إلى ما يشبه الضحك (هناك الكثير ليُبتَز. لم يبقَ عندي ما يبتزه الألم؟ لا، بقي الكثير… بقي الكثير… لن يفنَ ما يبتزه الألم).

جعلت يدي تحت إبطي، محاولاً تهدئة الألم الذي كان ينبض كقلب منفصل عني. ثم سألت (من أنت؟)

قهقه الغريب، ثم مال نحوي، همس وكأنه ينقل إليّ سراً لا يُقال: (حقاً لم تعرفني بعد؟)