رد الاعتبار التجاري في التشريع العراقي

م.د. عبدالباسط كريم مولود

م.د. عبدالباسط كريم مولود

م.د. عبدالباسط كريم مولود

يتعرض التاجر في حياته التجارية الى العديد من العوامل التي قد تؤدي الى الإفلاس، سواء بسبب الإهمال أو لجوئه الى أساليب الاحتيال من أجل تحقيق الأرباح التي يصبو اليها التاجر و يتطلب ذلك اموال طائلة  او الاستدانة من الغير، كما قد يكون لأسباب خارجة عن إرادة التاجر، فيكون ضحية لظروف اقتصادية أو سياسية أو أمنية أدت به الى التوقف عن دفع الديون.

فلو ننظر تاريخياً الى نظام الإفلاس نرى بأن تشريعات الإفلاس منذ نشأتها تنظر الى عملية الإفلاس على أنها جريمة يرتكبها المفلس في حق الدائنين، لذلك توجب محاسبته وتوقيع العقاب عليه ولو كان حسن النية.

مع أن هذه النظرة قد زالت في التشريعات الحديثة ولم يعد الإفلاس في حد ذاته جريمة يعاقب عليها، وإنما لابد لتقرير العقوبات الجنائية من اقتران الإفلاس بإهمال ينطوي على تقصير أو تدليس من جانب المفلس، إذ تهدف العقوبة في هذه الحالة الى إبعاد العناصر المفسدة عن الحياة التجارية ليسود مبدأ الصدق والأمانة بين التجار، تدعيماً للمعاملات التجارية التي قوامها الثقة والائتمان. ومع ذلك لم يستطع اكثر المشرعين أن يتخلصوا من كل آثار النظرة الأولى للإفلاس التي كانت تجعل منه جريمة في كل الأحوال، ولهذا لم يقنعوا بتوقيع العقوبات على المفلس المقصر أو المدلس، بل قرروا كذلك سقوط بعض الحقوق السياسية والمهنية عنه.

لو كان المفلس حسن النية سيء الحظ لا دخل لإرادته في وقوع الإفلاس بأنه كان نتيجة عوامل لم تكن في حسبانه. ولا يسترد المفلس هذه الحقوق إلا بإتباع إجراءات رد الاعتبار التجاري. وقيل في تبرير هذه العقوبة إنها وسيلة لردع المفلس بتحقيره والمساس باحترامه كوسيلة لإرغامه على التصرف بحكمة واتزان والابتعاد عن التصرفات التي تؤدي به الى هاوية الإفلاس من حيث لا يدري، فيسيء بذلك الى الدائنين.

يبدو أن المشرع العراقي قد تأثر بذلك ايضاً فأسقط عن المفلس قدراً من الحقوق العامة والمهنية ردعاً له وحثاً على الاستقامة التجارية ويتضح ذلك في المذكرة التفسيرية لقانون التجارة العراقي رقم (30) لسنة 1984 والذي الغيت المادة (331/ أولاً)  منه، قانون التجارة رقم (149) لسنة 1970 وتعديلاته باستثناء الباب الخامس منه المتضمن احكام الإفلاس والصلح الوافي منه (المواد 566 – 791)، لحين تنظيم احكام الإعسار بقانون.

والحقوق التي اسقطها المشرع العراقي عن المفلس حددتها المادة (602) من قانون التجارة العراقي رقم (49) لسنة 1970 والنافذ حالياً والتي نصت على ما يلي:

“1. لا يجوز لمن أشهر إفلاسه أن يكون ناخباً أو منتخباً في المجالس التشريعية أو في المجالس الإدارية أو البلدية أو في الغرف التجارية أو الصناعية أو النقابات المهنية، ولا أن يكون مديراً أو عضواً في مجلس إدارة أية مؤسسة عامة أو شركة ولا يشتغل بأعمال المصارف أو الوكالة التجارية أو التصدير أو الاستيراد أو الدلالة في اسواق المضاربة أو تسليف النقود برهون أو البيع بالمزاد العلني.”

“2. ولا يجوز لمن أشهر إفلاسه أن ينوب عن غيره في إدارة امواله. ومع ذلك يجوز للمحكمة المختصة أن تأذن له في إدارة اموال اولاده القصر إذا لم يترتب على ذلك ضرر لهم.”

لم تؤيد غالبية الفقه التجاري العراقي المشرع في إسقاطه بعض الحقوق السياسية والمهنية عن المفلس بصورة مطلقة، دون تفريق بين الإفلاس البسيط والإفلاس بالتدليس أو التقصير، على أن هذه الحقيقة لم تغب عن بال المشرع العراقي، ولذلك خفف من حدة هذه العقوبة بإعادة الحقوق التي اسقطها عن المفلس تلقائياً بعد انقضاء مدة معينة وبتيسير استعادتها قبل انقضاء هذه المدة من غير حالات الإفلاس بالتدليس أو التقصير.

بعد تغير نظام الحكم في العراق  عام 2003، اصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) العديد من القوانين أو عدلت قوانين كانت نافذة ومنها الأحكام القانونية المتعلقة بالإفلاس بموجب الأمر رقم (78) لسنة 2004، وبموجب هذا الأمر تم تعديل المادة (730) من احكام الإفلاس في القانون العراقي وبموجبه تزول جميع الآثار المنصوص عليها في المادة (602) والتي سبقت الإشارة اليها، بعد انقضاء سنة واحدة من تاريخ انتهاء التفليسة باستثناء حالات الإفلاس بالتدليس، وحل محل الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، التزام المدين المفلس بالإفصاح عن وضعه، أي التصريح بإشهار إفلاسه عندما يطلب منه ذلك أو حتى من دون طلب الى أي شخص يدخل في تعامل معين معه اعتماداً على جدارته ونزاهته، أو اعتبار حكم إشهار الإفلاس تبريراً لإنهاء أية معاملات أو ترتيبات يكون فيها التعامل مع المفلس قد تم على أساس جدارته ونزاهته، والإبقاء على العقوبات الجزائية بالنسبة لحالات الإفلاس بالتدليس في إطار قانون العقوبات العراقي واستيعادها في إطار قانون التجارة.

إن المشرع العراقي نظم أولاً رد الاعتبار القانوني لكل مفلس غير مدلس بعد انقضاء سنة واحدة على انتهاء التفليسة، ثم مهد السبيل للحصول على رد الاعتبار عن طريق القضاء والحصول على حكم قضائي على وفق الإجراءات التي يحددها القانون سواء في حالة رد الاعتبار القضائي الوجوبي أو الجوازي حسب حالة الإفلاس المنصوص عليها في المواد (730، 731، 732، 735) من احكام الإفلاس المعدلة في القانون العراقي.

ومن الأهمية بمكان أن نشير الى الإشكالية القانونية امام سير إجراءات رد الاعتبار القضائي ولاسيما بعد الغاء احكام رد الاعتبار التي كانت واردة في المواد (342 – 351) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ، لذلك لم تبق أية قواعد تنظيمية لرد الاعتبار إلا الأحكام الواردة في قانون التجارة بعد الغاء قانون رد الاعتبار واحكام رد الاعتبار في قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي بالقرار رقم (997) لسنة 1978 لمجلس قيادة الثورة (المنحل) مما يترتب عليه غموضاً وتعارضاً وإرباكاً في الأحكام فيما يخص رد الاعتبار التجاري.

عليه وتأسيساً لما سبق وانسجاماً مع الاتجاهات الحديثة في قوانين الإفلاس الحديثة، نرى من الأفضل توحيد احكام رد الاعتبار التجاري في قانون واحد وعدم تناثرها بين قانونين أو اكثر، وهذا يتطلب ترحيل الأحكام الخاصة بجرائم الإفلاس بالتدليس أو بالتقصير الجسيم أو جرائم الإفلاس بالتقصير البسيط كما وردت في المواد (468، 469، 470) من قانون العقوبات العراقي الى قانون التجارة العراقي مع معالجة الإشكالية القانونية التي تقدم ذكرها بخصوص قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ بشأن سير إجراءات رد الاعتبار التجاري.

(*)استاذ القانون التجاري المساعد، جامعة تيشك الدولية – أربيل

Abdulbasit.kareem@tiu.edu.iq