د. سميرة توفيق سعيد
مديرية ضمان الجودة والاعتمادية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، اقليم كوردستان
قبل ايام كنت اتحدث مع صديقة لي عن معاناتها في اتباع نظام التعلم هنا في احدى جامعات الشرق الاوسط التي مازالت تتبع مبدأ الحفظ في الدراسة، خصوصاً ان الحظ حالفها ودرست الماجستير في جامعة بريطانية قبل مدة. جرى الحديث عن صعوبة الرجوع الى نظام التعلم الذي يتطلب حفظ المواد المدروسة من اجل خوض الامتحانات بنجاح بعد ان كانت قد اعتادت على نظام الفهم والتحليل النقدي.
انا ممتنه لله اني لست في مكانها والا ربما جننت وعدلت عن اكمال الدكتوراه التي تخوضها تحت هكذا نظام. على كل حال في مجرى حديثنا تطرقنا الى مسألة الاختلاف بين الحفظ والفهم وكيف ان القاضي على سبيل المثال ليس بالضرورة ان يحفظ مواد القانون ويطبقها حسب تطابقها مع الحالات التي تعرض عليه بشكل اعمى، بل الواجب أن يفهم القانون ومواده وفروعه وطبقاً لملابسات القضية يصدر حكمه.
وقتها توصلنا انا وصديقتي الى هذا الاستنتاج الذي اسعدنا وراق لنا، وهو ان الحفظ لا يمكن ان يتضمن الفهم وان الذي يفهم مادة من غير الممكن ان يحفظها وانما يعبر عنها بطريقته ومفرداته. انتهى حديثنا عند هذا الحد وعادت كل واحدة منا الى عملها. بعد ذلك ترسخت فكرة الفرق بين الحفظ والفهم في فكري وبقيت افكر هل استنتاجنا كان صحيحاَ؟ اخال معظمكم يقول ربما او لا طبعاً. حسناً الموضوع يحتاج الى بحث وتقصي. في البداية لنخوض مع بعض هذه الاسئلة وندقق في فحواهن بعمق: هل كل ما نحفظه نفهمه او فهمناه؟ وهل كل ما نفهمه نحفظه او حفظناه؟
بالنسبة للاستفسار الأول فالجواب المباشر هو “كلا” لأننا نحفظ آيات قرآنية كثيرة ولا نفهمها بالضرورة او نحفظ ابيات شعر ولا نستطيع ان نفهم كل كلمة فيها، وبالطبع استثني في حديثي هذا حفظة القرآن والشعراء. أما بالنسبة للسؤال الثاني فأظن أن هذا الامر نسبي، كيف؟ حسناً ألا تتفقون معي أن الشيء او المادة التي نفهمها هي عبارة عن افكار أو مفاهيم ادركناها عن معلومات قرأنها او سمعناها او حتى وقع نظرنا عليها لمدة من الزمن. ليس مهم كم من الزمن لأن ذلك يختلف من شخص لأخر وحسب قدرات وتركيز الشخص. ثم تترسخ هذه المعلومات في الذهن ويبدأ الجزء المخصص في الدماغ بادراكها وخزنها. عند هذا الحد لا نعرف ان كان ما استلمناه من معلومات قد تم فهمه أم حفظه. هل الادراك يعني فهم والخزن يعني حفظ؟ الادراك درجه اقل من الفهم حيث انك تدرك شيء من خلال احدى حواسك ولكن ليس بالضرورة انك تفهمه. اما ان كان ما تم خزنه قد تم حفظه فهو كذلك فعلاً وهو ما يتم خزنه في الذاكرة القصيرة المدى او الطويلة المدى.
المعروف انه بالحفظ والفهم معاً يحصل المراد وتكسب العلم لأنه لا ينفع ان تفهم بدون ان تحفظ، بغض النظر ان كان ما حفظته وتستطيع استرجاعه كان دقيقاً بنسبة مئة بالمئة ام بنسبة اقل وحسب دقة وتركيز الشخص. اما ان تحفظ بدون فهم فهو وارد جداً ومضيعة لوقت كثير وكم ضاع من عمرنا ساعات وايام ونحن نحاول ان نحفظ تعريف او تعليل او اشعار.. الخ.
اذاً عندما اجبت عن السؤال الثاني بانه امر نسبي فهو لأن كل ما نفهمه نحفظه ولكنه يعتمد على مدى حاجتنا لهذه المعلومة او المادة، لذا فهو نسبي وليس بالضرورة اننا نحفظه بدرجه عالية، ولكن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو هل يجدر ان نحفظ ثم نفهم؟ الجواب “كلا” بالتأكيد. ان نفهم الشيء هو المهم والمطلوب حتى نبدع، وبعد ذلك لنا ان نقرر ان كنا نحتاج الى حفظه بدرجة عالية او لا. قد تتم هذه العملية بشكل لاارادي بمعنى اننا قد نمعن النظر في نص ما وعلى حسب عدد مرات تكرار قراءته او التأمل فيه تحدث عملية الادراك والحفظ. قد تظن انه من الصعب التخمين ايهما يتم اولاً الحفظ أم الاستيعاب والفهم؟ لا اظن ذلك لان الحفظ يأتي لاحقاَ او هو نتيجة طبيعية للفهم وليس العكس، لأنه كما ذكرنا سابقا، يمكن ان تحفظ بشكل اعمى بدون ان تكون قد فهمت.
قبل ان انهي مقالتي هذه اود ان اذكر هنا تجربتي مع الفهم ايام دراستي للدكتوراه في المملكة المتحدة لعلها توضح اكثر ان كان الفهم يحدث اولاً ام الحفظ اذا ما قرأنا الشيء مراراً وتكراراً. كانت هناك مواد لم يسبق لي ان درستها من قبل وكانت مفروضة علينا لكي نحقق متطلبات الدكتوراه وبعضها كانت من رغبتي في دراستها. الشيء الصعب في الامر كان يكمن في قلة الوقت المتوفر لدي لكي افهم هذه المواد واجتازها بنجاح، ولكن الجميل فيه انه لم تكن مسألة اجتيازها تتضمن امتحاناَ تحريرياَ ما عدى احداها. فضلاَ عن ذلك كانت هناك نظرية لم يسبق لي ان اطلعت عليها في سنوات دراستي السابقة ولا اتذكر اني سمعت عنها قط. شيء مؤسف! اعلم ذلك.
المهم اني في بدايات تعاملي مع هذه المواد ووفقاَ لما يتطلب من فهم عميق وفقدان الاشراف المتواصل للأستاذ المسؤول وقدومي من نظام يعتمد الحفظ دون الفهم، فلا اخفي عليكم اني عانيت. ولكن هذه المعاناة كانت من اكثر الاشياء متعة في رحلة الدكتوراه وحتى في حياتي الدراسية برمتها. كنت اجلس على الكتاب او المقالة وابحر فيها بطريقتي لكي احلله أو احللها، الخصه أو الخصها، احدد المهم والصعب والسهل والجديد والمتكرر وهكذا. باختصار لكي افهم المواد لا لأحفظها.
مع تطبيق هذه الطريقة فهمت المواد ولكن مع تكرار قراءة المادة، بدأت الافكار تنتسخ واحدة تلو الاخرى في ذاكرتي وبدأت تجري على فمي وتسترجعها ذاكرتي بشكل تلقائي. كان هذا مثيراً بالنسبة لي حيث لم اكن معتادة على هذا الامر.. لم اكن معتادة ان احفظ المعلومة بدون ان اكون قد بذلت جهداَ بل جرى الامر تلقائياَ. لم استمتع بالدراسة في حياتي الدراسية سابقاَ بقدر استمتاعي بها بعد اتباع الفهم الصرف دون هدف الحفظ.
ختاما ان الذي ارجوه حقاَ في انظمة التعليم لدينا هو ان يتم تبني الادوات وأسالیب التقيیم التي تشجع نظام الفهم في المؤسسات التعليمية وارجو ان يتم ذلك قريباَ لتنقذ طلاب مثل صديقتي تلك من كابوس الحفظ والحشو الفارغ.

