عبدالباسط كريم مولود
استاذ القانون التجاري المساعد
جامعة تيشك الدولية - أربيل
مقدمة:
إن الاعلان التجاري يعد في الواقع المعاصر من أهم وسائل تنشيط الثروة وعرض الانتاج على الجمهور، إذ أنه يهيمن، إن جاز التعبير، على متطلبات العمل التجاري الذي لا غنى عنه من قبل المشاريع التجارية والصناعية عموماً. فهو يجمع بين معطيات ثلاثة هي الوسيلة أي أداة الاعلان، والغاية وهي الترويج وتحقيق المردود التجاري، والمحل وهو المنتجات. ولعل الغاية والمحل هما الاساس في وصف الاعلان بأنه تجاري. لذلك تعيرها الشركات والمؤسسات والافراد عناية كثيرة وتنفق عليه أموالا طائلة بشتى الوسائل بغية تحقيق أرباح مالية.
يفترض دائماً بأن الاعلان التجاري أن يستخدم استخداماً حسناً وفق قواعد المنافسة المشروعة، فيؤدي وظائف تخدم المشروع التجاري والمستهلك على حد سواء، إلا أنه يكون في الوقت ذاته أداة خداع وتضليل للمستهلك وتؤثر على حرية الاختيار، فضلاً عن التأثير على الحياة الاقتصادية في مجموعها ويهدد فكرة المنافسة المشروعة ويزيّف شروطها، ضمن هذا الاطار يمكن وصف الاعلان المضلل بهذا الوصف.
يقرر المشرّع العراقي تجارية الاعلان في الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من قانون التجارة رقم (30) لسنة 1984 التي تنص على أنه “تعتبر الاعمال التالية أعمالاً تجارية إذا كانت بقصد الربح، ويفترض فيها هذا القصد ما لم يثبت العكس: النشر والطباعة والتصوير والاعلان”…
وقبل هذا القانون صدر في العراق القانون رقم (45) لسنة 1971 المعدل بشأن تنظيم عمل مكاتب الاعلان والنشر ويتسم بأنه محدود الفعالية ويظهر ذلك جلياً عند مراجعة نصوصه حيث لا ينسجم مع التطور التكنولوجي الكبير الذي حصل في الاعلان التجاري، فهو يقتصر على إيراد أحكام تنظيمية تتصل بنوع واحد من الاعلانات وهي الاعلانات الثابتة.
وفي إقليم كوردستان، أصدر برلمان كوردستان القانون رقم (4) لسنة 2019 (قانون تنظيم الدعاية التجارية) وتضمن القانون جوانب عديدة منها تعريف للمصطلحات والشروط العامة لإنتاج الدعاية ونشرها مع بيان الدعايات التجارية المحظورة والاحكام الجزائية.
كان المشرّع الكوردستاني يستخدم عند صدور القانون لفظ (الدعاية) بدلاً من (الاعلان) في تسمية القانون الى أن أصدر سكرتير برلمان إقليم كوردستان-العراق بياناً مقتضباً تم بموجبه تغيير كلمة (الدعاية) في عنوان القانون وأينما وردت في القانون الى كلمة (الاعلان)، ولم يتضمن البيان أية إشارة الى الاسباب الموجبة لهذا التغيير الذي حصل بصورة مخالفة للمادة (الثامنة) من قانون النشر رقم (4) لسنة 1999 المنشور في (وقائع كوردستان) بالعدد (2) في 14/5/2000، لأن الخطأ جوهري يخص البرلمان وليس خطأً مطبعياً ويتعلق الأمر بإحلال لفظ (الاعلان) محل (الدعاية)، وهذا يتطلب تدخلا تشريعيا وليست بالصورة التي تقدم ذكرها.
تعريف الاعلان التجاري
عرف المشرّع في إقليم كوردستان وفي المادة (1) الفقرة (سابعاً) من القانون المذكور بأن ((الاعلان التجاري عبارة عن خدمة عن طريق استخدام وسائل الاعلام ووسائل الاتصال وأي أسلوب آخر من اساليب الاعلان ووسائل النقل البري والمائي والجوي ومن خلال اساليب الاعلان والجدران والشاشات الضوئية، بهدف ترويج بضائع أو خدمات أو منتج بقصد تشجيع المستهلك على شرائه أو استخدامه)).
وعرّف المشرّع العراقي الإعلان في الفقرة (٤) من المادة (١) من قانون مكاتب الدعاية والنشر رقم (٤٥) لسنة ١٩٧١ المعدل، بان المقصود بالإعلان هو: (جميع وسائل الدعاية والنشر في الصحف او التلفزيون او السينما او النيون والبلاستيك والملصقات الجدارية وكذلك الأدلة باختلاف أنواعها).
الاعلان الخادع والمضلل
وعند المقارنة بين التعريفين أعلاه، نرى بان المشرّع الكوردستاني حرص على ان الهدف من الإعلان هو حفز المستهلك على شراء أو استخدام السلع والخدمات، وبذلك يتحقق العنصر المعنوي في الاعلان بجانب العنصر المادي المتمثل في ادوات ووسائل الإعلان، وبذلك يكون تعريف الاعلان التجاري لمشرّع إقليم كوردستان اكثر قبولاً من تعريف الاعلان الذي أورده المشرّع العراقي الذي اخذ من أدوات الإعلان تعريفا له ولم يتطرق الى وظيفة الاعلان من حيث مدى التأثير النفسي على المستهلك.
وبالرغم من ذلك فان قانون تنظيم الاعلان التجاري في الإقليم لم يرد فيه تعريف للاعلان الخادع المضلل وهذا يعد نقصا تشريعيا، وكان الأولى بالمشرّع الكوردستاني أن يسد هذا النقص والذي لم يعالجه أيضا قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 والنافذ في إقليم كوردستان.
خاتمة
والاعلان المخادع المضلل قد يرد على عناصر كثيرة، كالجودة، الطبيعة، التركيب، الصفات، العناصر الجوهرية، المصدر، الكمية، كيفية الصنع وتاريخه، الخصائص، السعر، شروط البيع وغير ذلك من العناصر التي تؤثر على قرار المستهلك في شراء المادة واستخدامها لحاجاته الشخصية أو بهدف الربح منها… لذا نهيب بالمشرّع في إقليم كوردستان ببيان مفهوم وماهية الاعلان الخادع والذي يستعمل فيه وسائل الاحتيال أو التضليل، وفي هذا مساس واضح بمصلحة المستهلك والذي يستوجب حمايتها قانونياً، وأن لا يكتفي المشرّع فقط بما ورد في الفقرة (ثانياً) من المادة (2) من القانون رقم (4) لسنة 2019 على أنه “يجب أن يكون الاعلان صادقاً وواضحاً وبليغاً”.
عملاً بهذا النص فأنه يصعب في مجال الاعلان التجاري أن يكون الاعلان صادقاً بما لهذه الكلمة من معنى لغوي، لأنه حتى لو كانت الاوصاف التي يطلقها الاعلان على المنتج صادقة في ذاتها، فهي لا تقدم إلا جانباً من جوانب هذا المنتج وهو الجانب الأفضل منه حتماً، ولذا فأنه يندر أن يقدم المعلن على ذكر مزايا وعيوب منتجاته في الاعلان، والنتيجة المترتبة على ذلك هي أن الجانب السلبي للمنتج محل الاعلان سوف يبقى دائماً في الخفاء، وبذلك يكون إعلاناً مخادعاً يقع تحت طائلة القانون، والمتضرر منه يحق له تسجيل الدعوى للمطالبة بالتعويض وهذه المسألة يرجع تقديرها الى قاضي الدعوة..
ان حرية التجارة ليست في الواقع مطلقة بل يرد عليها قيد جوهري يتمثل بأن لا يلجأ المنافس الى وسائل منافسة غير مشروعة. فإذا ضللت وسائل الاعلان المستهلك وكانت هذه الوسائل متنافية ومتعارضة مع العادات والاعراف التجارية وترتب على ذلك إلحاق الضرر بالمستهلك، كان لهذا الأخير الحق في رفع دعوى المنافسة غير المشروعة.
تجدر الاشارة الى أن قانون التجارة العراقي رقم (30) لسنة 1984 لم يبين المقصود بالمنافسة غير المشروعة خلافاً لقانون التجارة الملغي رقم (149) لسنة 1970 والذي نأمل تلافيه مستقبلاً.
الاعلان المضلل وجريمة الاحتيال
لما كانت الاعلانات الكاذبة والمضللة سبباً من أسباب الاضطراب الاقتصادي وليست فقط مجرد اعتداء على مصالح الافراد المستهلكين، وفي ظل غياب نصوص خاصة تحرم الاعلان الكاذب والمضلل بصورة عامة في القانون العراقي، فضلاً عن عدم كفاية الحماية المدنية، فأنه لابد من أن يصار الى تطبيق الاحكام الجنائية العامة التي تعاقب على الاحتيال والغش في المعاملات التجارية.
ولا يمكن اعتبار الاعلان المضلل مكوناً لجريمة الاحتيال وفقاً للمبدأ العام الدستوري للقانون الجنائي (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، إلا إذا توفرت أركان هذه الجريمة فيه. وجريمة الاحتيال عالجتها المادة (456) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، وإن هذه المادة لم ترد في الأصل بشأن الاعلانات الكاذبة والمضللة أو لحماية الجمهور منها. ومع ذلك فإنه يمكن الاستعانة بها لردع التضليل الاعلاني عموماً متى ما توفرت أركان هذه الجريمة في الاعلان.
توصيات
عالج المشرّع في إقليم كوردستان في قانون تنظيم الاعلان التجاري لسنة 2019 غياب النص حول معاقبة من يرتكب جريمة الاعلان المضلل ورتب المشرّع الكوردستاني في المادة (4) من القانون المذكور على المعلن المخالف للشروط العامة للاعلان التجاري والمحظورات المنصوص عليها في القانون عقوبات جنائية ومدنية. وفي الجزاء الجنائي استبعد المشرّع العقوبات السالبة للحرية واكتفى بعقوبة الغرامة، والحماية المدنية تكمن في التعويض النقدي وفقاً للبند (3) من الفقرة (ثانياً) من المادة (4) من القانون بناءً على الدعوى التي تقام من قبل المتضرر.
يتضح مما تقدم بأن المشرّع الكوردستاني لم يشدد في فرض العقوبة الجزائية بالرغم من صدور قانون خاص بتنظيم الاعلان التجاري، فكان على المشرّع اقرار عقوبة مصادرة السلع والمواد والادوات المستخدمة في الاعلان المخادع مع غلق الوكالة الاعلانية لمدة معينة معقولة وذلك للحد من هذه المخالفات وعدم تكرارها مستقبلا.

